رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

إجازة بلا كتابة

 

د.بثينة شعبان

 

 لقد هالني قرار الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل باعتزال الكتابة. وأقلقني ذلك العنوان «استئذان بالانصراف»، الذي حاولت أن أترجمه إلى تصرّف يومي في حياة الكاتب، وما إذا كان ذلك يعني أنه سوف يستيقظ صباحاً فيولي ظهره للورقة البيضاء الجاثمة على مكتبه تنتظر أن يواجهها بالشعور بالمهابة والتحدي، كما يواجه قائد جيش مهمة صعبة وحاسمة في مهنته... أم هل يعني ذلك أنه سوف يقاوم القلم حين يقرأ ويفكر، ويقفز عادة ليخطّ فكرة ما وليوجهها في اتجاه مختلف، وليفتح أعين قرائه على حقائق يعتقد أنها لم تخطر لهم على بال... أم هل هذا يعني أن له الحق في أن ينصرف عن جمهوره وقرائه... أم أن القضايا التي كتب من أجلها قد حُسمت بطريقة أو بأخرى!

رغم كل التعطش في عالمنا العربي لأسلوب الاحتجاج الذي يعبر عن موقف، ورغم كل التوق لمن يتخذون مواقف مهما كانت الأثمان، فإن آخر من يمكن أن يعبرّ عن الاحتجاج بالتوقف عن مهمته وأداء رسالته هو الكاتب. إذ كيف يمكن للكاتب، وهو الذي يعيش الهمّ العام ويعايشه ويعيد صياغته وتوجيهه، ويستأذن قلوب وعقول القراء بترجمته الخاصة لهذا الهم، آملاً مع كل اسوداد صفحة بيضاء أن يكون قد أضاء شمعة مهما كانت صغيرة، أو شق طريقا بالراحة أو شدّ الهمم، ان يستأذن بالانصراف؟ هل يمكن لمن أصبح الهمّ العام خبزه اليومي لعقود خلت أن يستأذن بالانصراف؟ أم أنه ينتظر احتجاجاً عربياً يصمّ الآذان يطالبه بالعودة إلى ساحة الكتابة أو الرأي، فيطمئن بأن الرأي العام العربي ما زال حيّاً، وأنه يأبى أن ينسحب أحد أهم الفاعلين على مدى عقود حافلة بالأحداث والخيبات وانقشاع الضباب.

لقد كان الحرمان من الورقة والقلم أهمّ مأساة تعرضت إليها الكاتبة الإنكليزية فيرجينيا وولف، وغيرها من الكاتبات، حين أرسلت إلى المصحّ كي تتعافى من أطوار اعتبرت غير طبيعية، فعمد صاحب المصح إلى حرمانها من الكتابة وإرغامها على الأكل، كي يزداد وزنها ويتولد لديها الشعور بأنها حامل، في محاولة لإعادة امرأة تختلف عن معظم النساء إلى الحياة الطبيعية للمرأة وهي الحمل والإنجاب، ومعالجتها مما يعتريها من وساوس في حبّ الكتابة والتركيز على الورقة والقلم في الحياة.

وقد كان حرمان الكاتبة من الكتابة أقسى مأساة عاشتها، إذ أنها حين سمعت في المرة الثانية أنهم ينوون إرسالها إلى المصح ذاته، سارعت في الليلة ذاتها إلى الانتحار، لأنها لم تكن قادرة على مواجهة الحياة مرة أخرى مع عقوبة الحرمان من الكتابة. وقد أظهرت الدراسات التي قامت بها نساء عديدات مؤخراً، أن صاحب المصح، وهو رجل أميركي، كان كارهاً للمرأة حاقداً على المرأة المبدعة، وتهدف أساليبه المتبعة في المصح إلى إرغام النساء على التخلّي عن إبداعهن وتفردهن والعودة إلى حظيرة النساء كما يراها أن تكون: طعام وإنجاب ومنزل. كما كتبت نساء أخريات بأسماء مستعارة، ونشرن بأسماء رجال، لأنهن غير قادرات على إخماد ذلك الصوت في دواخلهن، الذي يبغي الوصول إلى طاولة القارئ ليشاركه في قراءة الحدث أو حتى صنع القرار.

وقد عبّر الكثير من الكتّاب بأن الكتابة هي التي تساعدهم على تحمل قسوة الحياة، لأنها الهواء النقي الوحيد الذي يتنفسونه بعيداً عن تلوث الحياة وصغائر الأمور، التي لا تسمح للنفس أن تنشد السموّ والرفعة. فالكاتب الحقيقي هو الذي يعيش الكتابة حدثاً وحباً وحياة، وهو الذي تساعده الكتابة على مقاومة كل المصاعب التي تواجهه في طريق العطاء والإبداع، فكيف يمكن للكاتب إذاً أن يستأذن بالانصراف؟ فهل يستأذن الإنسان من شغاف روحه ومن خلاصة وجدانه وحبيبات ضميره؟ وكيف يستأذن الإنسان من القيمة الأجمل في وجوده، والتي تتدخل في نسيج كل ما يفكر فيه ويحيا من أجله لتمنحه ألوان قوس قزح وتجعل الأفق بعيداً شامخاً ومنفتحاً على كل الاحتمالات. إن الكاتب هو الذي يعيش قلق كازانتزاكي بأنه سوف يموت وكتب كثيرة لا تزال في داخله، لأن رحلة العمر قصيرة جداً وغير كافية كي تخطّ الروح كل ما ينتابها من هواجس وكل ما تصبو إليه من أحلام.

ولهذا فقد راعني أيضاً حين تحدث إليّ أحد الأصدقاء الأعزاء، وفي جلسة ودية عن الزاوية التي أكتبها، وسألني ما إذا كنت أنوي الاستمرار في الكتابة، ولولا عملي الدبلوماسي الذي علّمني أن أتقبل ما أسمعه مهما كان مختلفاً عن قناعاتي دون أن أسمح لتعابير وجهي أن تُظهر حقيقة مشاعري، لكنت أجبت على الفور: طبعاً سوف استمر، إذ هل يُعقل أن أتوقف عن الكتابة لأن مسؤولية وزارة قد أوكلت إليّ؟ ولكني وبدلاً من ذلك سألته ما رأيه، وأيضاً بدبلوماسية ولطف شديدين، دعاني الى أن أفكر بالأمر، وربما أن أكتب أحياناً، ولكن ألاّ التزم بكتابة زاوية أسبوعية كي لا يعتقد البعض أنني أحبّ الأضواء، أو أنني أرغب بالتميز، فأثير حسد وحفيظة البعض ممن يرون في كل تميز يحققه المرء في الشأن العام مجداً شخصياً يخصّ صاحبه فقط. وعادت إلى ذهني تلك الوريقات التي كنت أكتبها وأنا على مقاعد المدرسة الإعدادية، والتي كانت خارجة تماماً عن نطاق الدرس الذي يقوم بشرحه الأستاذ، وأعود بتلك الوريقات إلى والدي ليقول لي دونيها في دفتر خاص واجمعي ما تكتبين. كانت الكتابة حينئذ مصدر فرح حقيقي لي وأسلوب حياة، ولم أنقطع عن كتابة ما ليس له علاقة بدراستي في جميع مراحل عمري، وما ليس له علاقة بمهنتي أو بعملي ذلك، لأن جزءاً هاماً مني يعيش على الكتابة، ويتفاعل مع جمهور القرّاء، ويتحاور معهم على صفحات الجريدة، ويحاول أن يلامس همومهم وأفكارهم وآراءهم، وأن يعبّر عنها بطريقة أطمح أن ترضيهم أو تعبر عنهم وعما يريدون قوله. كيف يمكن لي اليوم رغم اعتزازي بشرف المسؤولية والثقة التي أوكلت إليّ، ورغم حرصي الشديد أن اضطلع بهذه المسؤولية وأن أكون أهلاً لهذه الثقة، أن أوقف ذلك الجزء المتّقد في داخلي الذي يحاورني صباح مساء، ويصوغ العبارات هنا وهناك، ويوقظني من ساعات النوم كي أسجل فكرة كنت أبحث عنها، ويمدّ الجسور غير المرئية بيني وبين القرّاء، الذين يشكلون سنداً هاماً لي في كل ما أفكر فيه وأكتب؟ إن رسائل القّراء وردود أفعالهم التي تصلني بأشكال مختلفة، تشكل البوصلة التي توجهني وترشد تفكيري وتساعدني على الاستمرار، فكيف يمكن أن استأذن القراء من علاقة شكّلت بالنسبة لي سنداً واستمرارية وانخراطاً حقيقياً بكل ما يرغبون في التعبير عنه؟ وكيف يمكن لي أن أتخلى عن تلك المسؤولية الدائمة والتي اخترتها قبل أن أعي قيمتها وأهميتها وتشبثت بها طيلة مراحل حياتي من أجل عمل يغتني بتلك المسؤولية؟ إنّ الكتابة كالألوان الجميلة لا تأخذ مكان شيء ولا تشكل عبئاً على شيء، بل تنتشر في كل المساحات المتاحة لتجعلها أكثر بهاءً وجمالاً، والكتابة كالقنوات الخفية بين الكاتب والقّراء تشكل صمّام أمان على تواصل كاتبنا الكبير محمد حسنين هيكل، لكي لا يستأذن بالانصراف، ولكي يستمر في الكتابة مهما كان حجم الإحباط ومقدار العتب، ولهذا أيضاً فإني أشعر برغبة شديدة في استمرار التواصل مع القّراء، ولكنني مستعدة أن ألتزم بما يمليه عليّ واجب المسؤولية، خاصة وأن أقصى طموح لي هو أن أؤدي واجبي، وأن أخدم بإخلاص وتفان في أي مجال قُدّر لي أن أكون فيه. السؤال هو: هل الوزارة فترة سبات لقلم الكاتب وفكر الباحث وعلم الأستاذ؟ سؤال يوجز الإجابة. 

    أرسل ملاحظاتك حول الموضوع