رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

هل من رد عراقي على «جهاد» الشياطين؟

 

بدور محمد زكي

 

نجح صدام حسين في إيصال رسالته إلى العراقيين بأنهم لن يهنأوا بعد زوال نظامه، والمتطوعون العرب من مرتزقة المبادئ الذين دخلوا العراق أثناء الحرب وبعدها، يغرقون في نشوتهم الباطلة بأنهم يواجهون قوة جبارة حتى لو أزهقوا في طريقهم أرواح العراقيين، ويحلو لكثير من «المثقفين» العرب والسياسيين أن يشيدوا «ببطولاتهم» ويطلقوا على عملياتهم: «مقاومة» تيمنا بمقاومة اللبنانيين والفلسطينيين. والغريب ان هناك انتقاءً واضحاً لهذه العمليات. فهي إن استهدفت الاميركيين وانابيب النفط والادارات العراقية والشرطة الوطنية، تصبح مقاومة، وان استهدفت رموزاً شيعية، كالشهيد باقر الحكيم، ترحل الى الموساد والمحتلين الاميركيين، وعلى رأي احد المتثاقفين العرب المعروفين بولائهم لصدام حسين فإن ما يجري في العراق هو «جراحة كولونيالية».

ويغفل من يرطنون بـ «المقاومة» عن ان الذين قدموا الى العراق كفدائيين أو انتحاريين، لا يتمتعون بأي وجود شرعي لأن الشعب العراقي لم يأذن لهم وهم كانوا عوناً لجلاديه وما يفعلونه يحول دون استعادته لحياته الطبيعية التي كان يطمح لها بعد التغيير. ولا أعلم من صلة لما يرفعونه من شعارات العروبة والاسلام بما يقومون به من تدمير لمرافق الحياة كمحطات توليد القوة الكهربائية وشبكة المياه وقتل العاملات والعاملين فيها.

وفي الوقت الذي لا نشك بمسؤولية صدام وأعوانه عن جريمة اغتيال الحكيم، لا نغفل المساعدة الضمنية أو لنقل المعنوية التي أبدتها اطراف اقليمية لم تكن راضية على تعاون رجال الدين مع سلطة الاحتلال، وذلك بخلق اجواء رافضة من شأنها اشاعة الفوضى والتلميح أو التصريح بامكان صدور فتاوى بالجهاد ضد الاميركيين اذا ما تأكد انهم لم يوفوا بالتزاماتهم تجاه العراق، وهذه الفتاوى بالطبع لن تصدر من داخل العراق بل من خارجه. وما يعرفه العراقيون ان مراجع الشيعة المعتدلين الذين يهمهم مستقبل العراق، كالسيد علي السيستاني ومحمد سعيد الحكيم لم يصدروا فتاوى من شأنها التحريض على الحرب وسفك الدماء وان هذا من شأن غيرهم ممن يوظفون الحالة العراقية للمساومة مع الولايات المتحدة، وفي هذا السياق، لا نستبعد صدور فتاوى شعبوية من جهات مشبوهة، لا تتمتع بشرطي الأعلمية والنزاهة، المعتبرين لدى الشيعة في العراق، ولا يستبعد ايضاً ان تكون لهذه الجهات مساهمة ما في التهيئة لاغتيال الحكيم.

وعلى الرغم مما يراه البعض بأن جريمة بحجم ما ارتكب بحق جماهير النجف ـ مثل السيد الحكيم ـ كان لا بد لاتمامها من تدبير على مستوى عال من الدقة، فإن من المعروف أن وسيلة تنفيذها، أصبحت متداولة في مئات من العمليات التي استهدفت دولاً عربية واسلامية كالسعودية (تفجير الخُبر ومجمعات السكن في الرياض)، وفي سوريا في عز تماسك نظامها الأمني (تفجير بناية الازبكية بدمشق في الثمانينات) وفي اندونيسيا (تفجير بالي) وفي مصر وتنزانيا وغيرها.

بعد ذلك، نأتي الى الفريق الثالث من المقاومين المزعومين بعد جماعات صدام وايتام طالبان والقاعدة، وهم لا يحتاجون الى تعريف، وللتذكير فقط، هم آلاف من المجرمين العاديين الذين تعمد صدام اطلاق سراحهم، قبيل سقوطه، لتسهيل مهمته اللاحقة في ترويع العراقيين. كل هؤلاء اذاً يعملون بقوة، على الرغم من انتشار القوات الاميركية، فكيف يأمنون حتمية العقاب؟

لعل ما يمنحهم ذلك الاطمئنان هو السلوك الأميركي ذاته واللامبالاة التي طبعته أو لنقل غرور الانتصار.

بالاضافة الى ان هناك اختلافاً اساسياً بين العراقيين وقوات التحالف في ما يعتبرونه ضرورياً وحاسماً في معالجة استقواء اتباع النظام المهزوم، فالضابط أو الجندي الاميركي لا يعنيه الثأر لكرامة الشعب العراقي، التي اهدرها رجال الحكم البائد وكل ما يهمه هو الامساك بالمطلوبين الـ 55 الذين وضعوا على لائحة الاتهام الاميركية، في انتظار ان تتخذ قيادته اجراء بشأنهم. وهؤلاء الأسرى الذين تم الايقاع باغلبيتهم بجهود عراقية، ويوشك عددهم على الاكتمال، تحجب اخبارهم ولا نعرف ماذا سيتقرر في أمرهم ولم يظهر واحد منهم في الأقل على شاشة التلفزيون ليطمئن الناس الى ان العقاب سيحل بهم.

ولا خلاف ان رقماً من مثل طارق عزيز أو من يقرب من اهميته، يمكن ان يدلي بمعلومات مفيدة للأميركيين، لكنهم لا يستطيعون تبرير تباطؤهم في محاسبة المجرمين والعجز حتى عن تقديم لائحة اتهام علنية كمقدمة لسوقهم الى ساحات القضاء.

اكثر من ذلك، هناك من يقول ان الجنود الأميركيين يمسكون ببعض المجرمين العاديين متلبسين، ثم يخلون سبيلهم، لأنهم ببساطة لا يعرفون ماذا ينبغي عليهم ان يفعلوا، وقد يكون في هذا القول شيء من المبالغة، لكن الذي لا يرقى اليه الشك هو ان العراقيين يعرفون ماذا يفعلون سواءً في التعامل مع اتباع صدام أو مع المجرمين المحترفين وفي المحصلة لا فرق بين الاثنين.

ان متطلبات مواجهة الشارع العراقي المنفلت، كثيرة، وفي مقدمتها تسليم ضيوف قوات التحالف (قائمة الـ 55) الى مجلس الحكم العراقي لاقرار محاكمتهم على وجه السرعة وانزال العقاب العادل بابرزهم وبخاصة علي حسن المجيد المدان باستخدام السلاح الكيمياوي وقتل خمسة آلاف من مدينة حلبجة الكردية، بالاضافة الى جرائمه الاخرى.

وقد طالب الاكراد القوات الاميركية بتسليمهم اياه، وهم يمتلكون هذا الحق ولديهم مؤسساتهم التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومحاكمهم ظلت بمأمن من فوضى الحرب بحكم استقرار الوضع في كردستان لسنوات طويلة.

في هذا الصدد يستوقفني افتراض اجده مشروعاً، ماذا لو ان عناصر حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، التي ألقت القبض على نائب صدام، طه ياسين رمضان، لم تسلمه الى الاميركيين ونفذت حكم الشعب به، ثم اعلنت ذلك، هل كان هذا الامر سيغضب القيادة الاميركية، يقيني انه لن يأسف عليه أحد.

وان كان الاميركيون ما زالوا يبحثون عن اسلحة الدمار الشامل، فإن الوحيد الذي يمكن ان يرشدهم الى مخبئها هو صدام نفسه، فليبحثوا عنه جيداً ويسلموا طاقمه المحتجز الى اياد عراقية، عند ذلك سيرون كيف تتناقص اعداد ضحاياهم. ان النزيف العراقي ـ الاميركي لا يفرح احداً غير من كانوا منتفعين من عطايا النظام السابق والذين تحركهم نوازع عنصرية وطائفية، آن لها أن تتوقف.

إن استمرار حالة الخوف والدمار لا يتفق مع منطق التحرير والتغيير، كما ان اللا مبالاة الاميركية باعتبارات العدالة المستعجلة، لن تخدم خطاب الرئيس الأميركي بأنه حريص على الوفاء بالتزاماته تجاه العراقيين والتأكيدات الأميركية السابقة باحترام حقوق الانسان. واذا كان ما يمنع من المحاكمة السريعة لأركان نظام صدام هو القانون الدولي واعتبار هؤلاء اسرى حرب، فليعاملوا كأقرانهم معتقلي غوانتنامو ليتشفى العراقيون بمصيرهم في الأقل. واذا دققنا في هذا الاعتبار نجده ضعيفاً بالقياس الى اتخاذ الولايات المتحدة وبريطانيا قرار الحرب دون تفويض دولي صريح، حقا كان ذلك القرار لمصلحة الشعب العراقي والدليل ان صدام ما يزال قويا حتى بعد سقوطه فكيف كان للشعب الأعزل ان يزيل نظامه. ان مساعدة الشعب العراقي في الوصول الى الديمقراطية يتطلب اطلاق اليد العراقية في استئصال مجرمي الحرب والابادة الشاملة. وكانت قد ترددت دعوات اميركية قبل الحرب واثناءها، في سياق ملتقيات قضائية ضمت خبراء عراقيين واميركيين، ركزت على ان محاسبة المجرمين شأن عراقي.

ان استعجال حكم الشعب بهؤلاء يردع اللاعبين بأمن البلاد ويسحب بساط الأماني من تحت اقدامهم، بأن يعود أبو المعارك الى السلطة، ويتركه يخوض معركته الأخيرة ضد الشعب العراقي وهو خائر القوى متوجس من يد العدالة التي لا ترحم. ولم يكن صدام ليحكم بلداً بحجم العراق منفرداً لولا تلك العصبة التي آزرته وصادقت على أفعاله، ولا يخفف من مسؤولية افرادها، انهم كانوا تابعين لارادة القائد، فكثير من أمثالهم تحركت ضمائرهم وغادروا العراق ناجين بأنفسهم.

ان من سوء حظ العراقيين انهم مجبرون على الانتظار طويلاً حتى يشهدوا تصفية التركة الثقيلة لصدام حسين وهو لم يخلف لهم غير خلايا شديدة الانتشار من المجرمين، ومما يجلب نقمتهم ان الاميركيين يتصرفون فيها بحرية، فالصحاف على الرغم من هزلية شخصيته كان آخر متحدث باسم النظام ومصادق على جرائمه، فكيف ترك طليقاً يتوجه الى الامارات العربية؟ وابنة صدام تتحدث الى الفضائيات، أليست مدانة بسرقة اموال الشعب العراقي، تتباهى بمزارعها من اين لها ذلك؟ وغير هذين المثلين الكثير من الضباط وخدم النظام طليقين في الاردن، يضاربون بمال الشعب المنهوب، كيف يجري الاستخفاف بمشاعر الشعب العراقي الى هذا الحد؟ ألم يكن حريا بالأميركيين التقرب الى الناس بالاستجابة البسيطة لمطالبهم من محاسبة المفسدين؟ .

 

 أرسل ملاحظاتك حول الموضوع