رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

الحجاب قانون رباني لايتجزأ

 

المحرر الثقافي

 

منذ أيام قرأت في صحيفة الشرق الأوسط مقالاً (بعنوان التعامل مع الحجاب) للكاتب خالد القشطيني يقول فيه:

أصبح التاريخ العربي المعاصر ينقسم إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل الحجاب، ومرحلة ما بعد الحجاب. وقدًر لنا نحن الذين ولدنا ونشأنا في مرحلة ما قبل الحجاب أن نعاني من مشاكل كثيرة في التعامل مع نساء مرحلة ما بعد الحجاب... ويسترسل في مقالته متعجباً! أن أحد أصدقاءه رأى تلميذات يلبسن الحجاب في أكاديمية الفنون الجميلة في العراق..

ولم يخجل أن يذكر أنه تلقى صفعة عاتية من دكتورة مؤمنة ترتدي الحجاب مقيمة في لندن عندما تفوه بما يخل بالآداب الإسلامية.. ولم يدر لها خده الأيسر عملاً بقول السيد المسيح (ع) ولم يكتف.. بل انتقل إلى الكويت.. وحاول أن يبوح ما في نفسه الأمارة بالسوء.. ولكنه تذكر الصفعة على خده الأيمن في لندن.. فأحجم لما تلقاه من الظلم والصد من المرأة العربية!! وينهي مقاله قائلاً: هذه ملابسات نضع أبناء مرحلة ما قبل الحجاب في متاهة من أمرهم في التعامل مع سيدات مرحلة ما بعد الحجاب.. ثم يتساءل:

هل يجوز مثلاً الإطراء على جمالها أو رشاقتها؟ هل يجوز الثناء على لون شعرها إذا ظهر منه شيء خارج الحجاب، أم أنها ستعتبر ذلك تنبيهاً وزجراً لها على السماح بذلك؟

كيف يعبر الرجل عن إعجابه بأي شيء تقوم به دون أن يساء تفسيره فتتصور الفتاة المعنية بأنه مقدمة لخطبتها والزواج بها؟.

(تتميز مرحلة ما بعد الحجاب بالإفلاس العام للدولة وشيوع الفقر والبطالة والتدهور الاجتماعي والاقتصادي)... (والكلام لا يزال للكاتب).

كيف نتعامل نحن الذين نشأنا في (مرحلة خير) مع سيدات المرحلة الحاضرة؟ إذا قدًمنا لها عطراً ثميناً. هل ستسيء تفسيره؟ ويختم قوله متهكماً:

هذه كلها تفاصيل تتطلب الشرح والبيان هداية لإمثالي من أبناء مرحلة ما قبل الحجاب. هناك حاجة لكتيبات مثل (الحقول والواجبات في التعامل مع المحجبات) و(دليل الحائر في معاملة الحرائر). انتهى.

قبل أن ألج في حيثيات المقال وتساؤلات الأخ الكاتب خالد، لا بد من تعريف يعرفه القاصي والداني من متوسطي الثقافة، إن لم نقل أصحاب الفطرة السليمة..

ليست الأخلاق كما يظن البعض مجرد نظرة.. فابتسامة.. فـ.. الخ. بل الأخلاق مبادئ وقيم ومواقف، وما بعث الأنبياء والأوصياء والأولياء إلا من أجل ترسيخها وتعليم الناس السمو والارتقاء لما يريده الشارع الحكيم.. فما تقدمت أمة إلا بالتزامها بالقيم الأخلاقية، ولا تأخرت أمة إلا بسبب تركها لهذه القيم والمبادئ السماوية التي لا تقبل العبادة إلا بها.. فلا تقبل صلاة دون حجاب، بكافة الأديان السماوية، فما فائدة الصلاة إذا لم يتحل المصلي بأخلاق يعيش معها في الناس، وسأكتف بالصلاة لأنها عامود الدين، وكل إنسان يعلم أن له صورتين (وإن لم يصرح): صورة ظاهرة وصورة باطنة وهو يعيش مع الآخرين بهما، فلا بد أن يتحلى الإنسان بأخلاق فاضلة كما خلقه الله عز وجل في أحسن تقويم، وما أجمل قول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) (إن كان لا بد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال، ومحامد الأمور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب ويعياسيب القبائل بالأخلاق الرغيبة والأحلام العظيمة والأخطار الجليلة والآثار المحمودة).

يقول الله في كتابه المحكم: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) ويوضح عز وجل للمرأة كيف ومتى تستطيع أن تبدي زينتها بقوله: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو .....) سورة النور: 31. وفي آية أخرى يدعو الخالق المرأة إلى تجنب الرجل الأجنبي حتى في لهو الحديث والكلام الفارغ من المعنى بقوله: (فلا تخضعي بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) سورة الأحزاب: 32.

إذاً نجد أن الله عز وجل عندما أراد أن يحذر المؤمنين والمؤمنات في سورة النور أول شيء ذكره غض البصر، فمن خلال النظرة الطويلة تلتقي العيون وتنفتح أبواب الفساد، لهذا أمر المولى بغض البصر لئلا يقع فريسة النفس الأمارة بالسوء والزنى وفعل الحرام وقد جاء في الحديث الشريف: (النظر سهم من سهام إبليس وكم نظرة أورثت حسرة طويلة) فللنظر لتأثير خاص في نشر الرذائل والمفاسد، فكما أن البدن يحتاج إلى الستر والحفاظ سواء رجلاً كان أو امرأة فالبصر أيضاً يحتاج إلى الحفاظ عبر الغض الكامل عن كل حرام.. وما أكثر الزوجات اللاتي تركن بعولتهن من وراء نظرة، وأزواج تركوا أزواجهن لعدم غض البصر، فالمرأة والرجل في خندق واحد..

ثم يأتي النهي الكامل (ولا) من إبداء المرأة زينتها سواء بالحلي أو المواد التجميلية أو كل ما يظهر شكلها جذاباً أو ملفتاً للنظر، فالآية الكريمة تحمل طابع فقهي تميز الحلال والحرام في مسألة الحجاب.

وقد قال باب مدينة العلم الإمام علي (عليه السلام): (العفاف يصون النفوس وينزهها عن الدنايا) غرر الحكم، والعفة هي الالتزام الكامل بالستر والحجاب وتنزه المرء عن الأخطاء وتجنبه الرذائل.

فبالحجاب تصان المرأة وتكون في مأمن من الوقوع في مستنقع الفساد، وقد أكد أمير المؤمنين (عليه السلام) في شرح نهج البلاغة قائلاً: (فإن شدة الحجاب أبقى عليهن).

إذاً مفهوم الحجاب كما جاء في الآيات والأحاديث والروايات يصرح بالوجوب الكامل للمرأة بالذات لأنه صيانة وعفة، وقد أوجبه عليها لكونها مخلوقة ثمينة يجب الحفاظ عليها، كما مثل الإسلام المرأة بالجوهرة المكنونة في أعماق البحر، كيف أن الغواصين يتحملون المخاطر من أجل الحصول عليها، فهكذا المرأة الملتزمة المتحجبة.....

عود على بدء أقول لو كان المقال لا يتعلق بالدين الحنيف الذي لا يتجزأ، وبكلمات الله التامات التي لا تبديل ولا تعديل فيها لما كلفت نفسي عناء الرد عليه، ولكن الأمر أخطر من ذلك بكثير، ولا حاجة لكتيبات (الحقوق والواجبات في التعامل مع المحجبات) و(دليل الحائر في معاملة الحرائر) طالما هناك دستوراً إلهياً وشرائع سماوية يمكننا الرجوع إليها واستنباط الحق من الباطل، وما حميتي إلا لنصرة الدين ليس إلا. أتساءل ألم يدخل ديراً أو كنيسة وهو في بلاد الغرب ويرى أن الراهبات محجبات كما هي المسلمات؟ أما الجواب على الملابسات:

1- هل خلق قبل الأنبياء والأولياء حتى يقول قبل الحجاب؟.

وهل نحن حقاً الآن بعد الحجاب؟.

ثم ألم يسمع ويرى على شاشات الرائي الضجة المفتعلة في تركيا وفرنسا... الخ من قبل الحكومات التي تريد منع ارتداء الحجاب، فمنذ يومين اعتبر رئيس الوزراء الفرنسي جان بيار رافاران أن المظاهر الدينية مثل ارتداء الحجاب الإسلامي لا مكان لها في المؤسسات التربوية في فرنسا؟! مع أن الراهبات ترتدين الحجاب في كل مكان!! أم أنه يريد أن يبعد الشبهة عن نفسه بتهجمه على الحجاب حتى لا يسمى إرهابي من قبل الإرهابيين؟!.

2- هناك الكثير من الآفات التي تتلف وقت الإنسان وتلتهمه منها:

أ) الفراغ الذي هو آفة مدمرة ومرض قاتل، ولو أحصى الإنسان أوقاته لوجد نسبة الفراغ في حياته كبيرة جداً، ولا عجب في ذلك، لأن الإنسان يميل إلى الفرار من الالتزام، لأن الالتزام يكلفه ويحد من أهوائه وشهواته، لذلك لا لوم على من يموت حسرة على واقعنا المر، وعلى أسلوبنا الساذج في التعامل مع أوقاتنا، كأن نكتب بدون دراية أو حتى معرفة أو لأن الدكتور صاحب الامتياز ينشر لنا ولغيرنا دون بحث أو تدقيق لأن وقته لا يتسع إلا للمعارضين!!.

ب) اللغو: قال الله تعالى في وصف عباده: (وإذا مروا باللغو مروا كراماً) واللغو - منه الثرثرة اللامجدية والكلام المعسول الذي يخرج عن حده وما شابه.. الخ مما يؤدي إلى ما لا يحمد عقابه.. (كالصفعة العاتية، والتي ما زالت آثارها تحز في النفس) أحد تلك الأمور المغرية.. فهو كالعسل المسموم يشربه الثرثار متلذذاً بحلاوته، ثم أن السم يأخذ مجراه رويداً رويداً، جاء في الحديث الشريف: (وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم).

جـ) اللهو: قال الخالق تبارك وتعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم) سورة لقمان: 6.

حيث أن النجاح نتيجة الجد والاجتهاد، فإن الفشل نتيجة اللهو بلا تردد لأن الإنسان الذي يشتغل باللهو، يفقد الحس والإدراك والوعي، وينسى الحق ويضمحل نور قلبه، ويفقد بصائر عقله، الأمر الذي يجعله على شفا حفرة م الضلال والانحراف، يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام): (لا تفن عمرك في الملاهي فتخرج من الدنيا بلا أمل) غرر الحكم، وهكذا لم يبق لنا سوى الحجاب!.

د) التسيب: إن التسيب ليس له حدود، لذلك ليس غريباً بعد أن تسقط المرأة حجابها أن تقع في المحظور، ويسقط معها الرجل في مستنقع الفساد، ويصفع مرتين!.

قالت أم المؤمنين أم سلمة: استأذن ابن مكتوم الأعمى على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا وميمونة جالستان.. قال النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): احتجبا منه! قلنا: أو ليس أعمى لا يبصرنا.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): وأنتما لا تبصرانه.

يحضرني قول الشاعر:

إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً         ندمت على التفريط في زمن البذر

وأفضل طريقة لمحاربة هذه الآفات الشيطانية هو أن يتذكر الإنسان محدودية العمر وإتيان الأجل بغته.

في حين إن الإسلام يتشدد في هذه القضية (الحجاب) نجد أن معظم الأسر اليوم لا تعير هذه المسألة أي اهتمام، بل على العكس، تعمل على توفير الأجواء كالحفلات بأسماء مختلفة، مثل: عيد الميلاد وعيد الحب وعيد الأم وعيد الأب وعيد الزواج وعيد الطفل... الخ، واللقاءات بأشكال متعددة، مثل لقاء التدارس والمدرسة بين الجنسين ولقاء التعارف ولقاء الامتحان لدراسة الشخص الآخر.. الخ  وتبقى الفتاة سلعة تجارية بين هذا وذاك للعرض والاستعراض، فتضيع وتصبح قهرمانة بدلاً من ريحانة، ولوحة على الجدار أو صوتاً في أغنية شبابية أو جسداً يتراقص بين ناظري الآخرين، أو صورة على غلاف مجلة، أو مذيعة أو عارضة أزياء تعبد أدوات المكياج ووسائل الزينة أمام الملأ العام.. وكأن الحجاب سجناً للمرأة ومقبرة لكفاءتها!! وسبباً رئيسياً للفقر والبؤس والبطالة والتدهور الاقتصادي والإفلاس العام للدولةّ!. إن معظم الانحرافات التي تصيب الفتيات والشباب إنما بسبب تلك الأجواء الموبوءة في الأسرة والمجتمع، والدولة والعلماء لهما النصيب الأوفر في هذا التسيب والإنفلات الأخلاقي، والمتأمل في سجلات المحاكم المدينة والجزائية والشرعية ومخافر الشرطة يرى ذلك بوضوح تام.

فالمرأة مدرسة الدنيا وجامعة العالم البشري وكلية الفكر الإنساني وأكاديمية الحنان والعطف.. بها تحيا النفوس وبتعاليمها وتربيتها تسير الأجيال، وليست كما يصنفها الأكثرية، محطة اللذة والاستمتاع ومبعث الشر وخادمة في البيت والمصنع والشركات ونادلة في الفنادق والملاهي و.... الخ.

بكل أسف.. أصبح التبرج والتحلل والإنفلات والانحرافات الخلقية، سمة من سمات عصرنا الحالي وهي من الأمور المتفشية في مجتمعاتنا الإسلامية وخاصة بالقرب من العتبات المقدسة.. مجتمعات منحرفة تغيب فيها أغلب معاني الفضيلة والشرف والعفة، فالقيم والمثل الإنسانية والإلهية مفقودة في ظل من ينادون بشعاراتها، أو مغيبة بشكل أو بآخر، ربما حتى لا يتهموا بالتطرف والإرهاب!! أو باسم الانفتاح! وأي انفتاح؟!.

كما هو معروف ومتعارف عليه علماً: أن خصوصية المرأة الجسدية والعاطفية محط إثارة وفتنة، وهذه الخصوصية المتواجدة في داخل المرأة تجعلها قادرة على إغراء الرجل وإغوائه وإثارة شهواته، ولهذا عالج الشارع الحكيم هذا الموضوع بالحجاب والتستر إلا ما ظهر منها ليضع حداً لهذه الإغراءات والأهواء والشهوات والنفس الأمارة بالسوء، وأحلها للزوج فقط، وللأب وللأخ و... و.. الخ ضمن الحدود الشرعية، كما سمح لها أن تلبس ما تشاء ضمن حدود الحشمة والأدب وعدم التفكه والثرثرة مع الجاهلين والمتجاهلين الذين يفتون بغير علم!!.

فدين الإسلام دين الحرية وليس دين التقيد، كما ليس دين السلفية وطالبان والشبح العميل أسامة بن لادن فالإسلام السمح منهم براء، وبإمكان المرأة أن تدخل جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية دون عائق أو حرج، وبإيمانها الصادق والكامل تستطيع أن تتخطى مراحل الحياة كما تشاء وفق مبادئ الإسلام الحنيف وتعاليمه السمحة.

ويبقى السؤال الأخير.. من المسؤول عن الأسباب التي جعلت من أبناءنا وبناتنا ألعوبة بيد المستغلين والمستكبرين؟ والتعديات من جراء الاستخفاف بالحجاب؟ هل الدولة؟ أم العلماء؟ أم الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب؟ أم العولمة؟.

بصورة عامة.. كلنا مسؤولون، حيث تجاهلنا وتغاضينا عن نشر التعاليم والأحكام الإلهية بالصورة المطلوبة، وسحقنا كل الموازين، وسرنا كما تسير البهائم إلى قدر صنعه لنا غيرنا من الإباحيين، وأعطينا زمام الأمور إلى أناس يتحكمون بنا بما شاءوا، وكأننا آلات تعمل عن بعد، بالريموت كونترول!!.

ولكن الأمل ما زال موجوداً، فباستطاعتنا أن نجمع قوانا ونوحد كلمتنا ونجعلها السائدة في كافة المجالات من خلال الحوار البناء والهادف للعودة إلى الحق وما يريده الله العلي القدير منا.

وإذا أردنا أن نصل إلى شاطئ الأمان والاطمئنان بكل يسر وسهولة، فعلينا التخلي عن الإدلاء بآرائنا كما فعل السلف وتابعيهم حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من التدني والانحلال والتعصب الأعمى والتسارع لاتباع عباد الأهواء لنتعلم منهم الأصول والفروع.. بل حتى كيف نسير ونأكل ونشرب ونلبس... الخ.

كما علينا أن نعلم أن الحجاب والعفاف الذي أكد عليه ديننا الحنيف وجعل منه ستراً وحاجزاً أمام المفاسد والأهواء والشهوات والانحرافات الأخلاقية ليس إلا هو قانون رباني منذ القدم لا يتجزأ جاء لصالح المرأة بغية صونها من كل الرذائل، وإحاطتها بمجمل الفضائل، كما جاء لصالح الرجل لكبح جماح الشهوة والنفس الأمارة بالسوء وعدم التعدي على خلق الله، بأسماء سماها من باب الأدب والمجاملة والانفتاح وما إلى ذلك من الكلمات المعسولة التي ما أنزل الله بها من سلطان.

  أرسل ملاحظاتك حول الموضوع