رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

مجلس الحكم بين محنة الماضي والسيادة الوطنية : مفاهيم ودلالات

 

   الدكتور محمد القريشي

  مدرس جامعي في فرنسا

 alkayasm2002@yahoo.fr

 لم يعهد العالم العربي والإسلامي مرحلة من الضعف والضبابية كالمرحلة التي شهدها إثناء سنوات حكم البعث وبالوجه الأخص أثناء هيمنة صدام حسين على مقاليد الأمور في العراق, حيث اجتهد في إغراق الواقع العربي والإسلامي  بجملة من التناقضات والعقد التي مازالت تداعياتها تعصف بالعراق والمنطقة على حد السواء.

 فعلى الصعيد العربي, عمد النظام على استفزاز الصحوة الإسلامية الشاملة في عقدي السبعينات والثمانينات من خلال مجموعة من الأعمال كان أهمها اجتياحه لبلد مسلم تربطه بالأمة العربية وشائج تاريخية مهمة مؤديا بفعلته هذه إلى إحداث شرخ عميق في الكيان الإسلامي.

 وأمام هذا الحدث الأثيم وجدت كثير من الدول العربية والإسلامية نفسها في مواقع لا تحسد عليها في حكمها بين شعبين مسلمين تأكلهما حرب ضروس أزهقت الآلاف من الأنفس البريئة ونشرت الخراب والماسي في البلدين الجارين.

 وفي هذا المجال نجح صدام في شرذمة الأمة الإسلامية وحفر خنادق متقابلة في أحشائها وفعل مشاعر الكراهية والتنافر والطائفية بين أبناء الأمة الواحدة.

 أما من الناحية القومية, فعلى الرغم من الريادة التي تميز بها نظام البعث في عملية شحن البيئة العربية بشعارات الاخوة العربية و الوحدة ورص الصفوف وتبرعه المجاني للذود عن البوابة  الشرقية للامة العربية, لم يردع هذا النظام نفسه عن جريمة اجتياح بلد عربي شقيق, موجها بعمله هذا طعنة في صميم الجسد العربي الهزيل الذي طالما تبجح هو وأعوانه بالذود عنه وصيانة مقومات وجوده.

 وهنا أيضا برع النظام العراقي في وضع العرب أمام تناقض صارخ يتطلب منهم الخيار بين حالتين أكثرهما مرارة هي  الاصطفاف معه في جريمته مما يعني تعميق ثقافة الاجتياحات وخلق سابقة قد تغير التوازنات العربية التقليدية إلى مجهول لا يحمد عقباه, واقلهما نكدا   الوقوف ضده وهذا يعني الالتحام مع الإرادة الأميركية التي برزت في هذا الظرف مستفيدة من حالة التشرذم   وقدمت نفسها كمحررة  ومعيدة للشرعية المسلوبة عربيا.

 ولقد اختارت دول عربية وإسلامية أهون الشرين في الوقوف خلف "المحرر الأميركي" القادم من وراء المحيطات.

 ووفق هذا السيناريو الجديد, فرض النظام العراقي على الأمة العربية ثقافة جديدة هي ثقافة المراوحة بين الأضداد حيث تذبذب العقل العربي بين ثقافته التقليدية التي تصنف الأميركي كمستعمر ومعاد وجائر في دعمه اللامحدود للكيان الصهيوني والدور الجديد المحرر والرائد والذي افلح بدمج مجموعة كبيرة من الدول العربية والإسلامية تحت راية التحرير, وكذلك بين مشاعر الاخوة العربية المتعارف عليها وحالة الاقتتال الداخلي العربي لاخراج المعتدي. 

 وفي المجال الوطني فان الحالة العراقية لم تكن خافية عن أحد حيث قام النظام في تلغيم  الأجواء بمفاهيم المواطنة والثورية المرتبطة بالقائد والحزب وقام بافتراس اللحمة الوطنية من خلال حملاته الهمجية ضد شعبه على اختلاف شرائحه وأطيافه وتحويل العراق إلى سجن عملاق تروع به الأنفس ومقبرة جماعية كبرى شملت الجغرافية العراقية بكل  تضاريسها.

 وأمام هذا الكم الهائل من العقد والتناقضات, وجدت القوى الوطنية العراقية نفسها بألوانها المختلفة أمام خيار مصيري وهو المقاومة ومقارعة النظام بمختلف الأشكال, عسكريا وسياسيا وإعلاميا وهي مهمة صعبة وشائكة بالنظر للظروف الإقليمية المعادية والدولية المشحونة بالمصالح المتشابكة.

  وهنا أيضا للمرة الأخرى افلح النظام في وضع المعارضة العراقية في موقع لا تحسد عليه ولازلت إسقاطا ته  تمطر الواقع العراقي بالكوارث.

 والمراقب للمشهد العراقي يستطيع بسهولة فهم حالة المعارضة العراقية أثناء حكم الطاغية حين وجدت نفسها أمام خيار الإرادة الأميركية الراغبة بإسقاط النظام وتنفيذ برنامج يغير معادلات الشرق الأوسط انطلاقا من العراق "المحرر من صدام". ولا يعقل أن نرى معارضة في العالم يمكنها أن تفوت على نفسها فرصة كهذه للإطاحة بنظام شمولي احكم كل منافذ التغيير وإمكانيات الإصلاح الوطني.

 و هكذا تواصلت مسيرة الاصطفاف مع "المحرر الأميركي"  مارة بمحطة السقوط  المذهلة للنظام الذي لم يتوقف حتى بعد سقوطه عن بعث تيارات التناقض في الواقع العراقي والعربي,و إحدى مشاهد هذا التناقض تتمثل بالموقف الحرج الذي وجدت الأحزاب والشخصيات الوطنية نفسها فيه بدخولها في مجلس الحكم ومباشرتها في بناء الدولة العراقية الحديثة ومؤسسات المجتمع الديمقراطي الجديد في هذا الظرف الحرج وهو واقع لم تعهده الحركات الوطنية سابقا ومناقض تماما لهوية تلك الجهات وتاريخها, فالكل يشهد بنزاهة الشخصيات المنطوية تحت لواء هذا المجلس وتاريخها النضالي. 

التناقض الأخر الذي أفرزه واقع ما بعد صدام هو إن الأجهزة الأمنية المتنوعة التي تعودت على ترويع المواطنين وتمرست على تخريب المدن والبنى التحتية للبلد تحقيقا لأهداف الديمومة للنظام السابق والتي احتفظت بإمكانياتها التقنية بعد التهاوي السريع للنظام وانسحابها إلى مواقع نشأتها , بدأت تمارس عمليات ضرب القوى الأميركية كرد فعل لفقدانها للامتيازات التي كانت تتمتع بها و تجذر ثقافة العنف في كياناتها.

 وعلى الرغم من وضوح هوية تلك الجهات  فإنها دخلت في التعريف التقليدي المتداول  "أو أريد لها أن تدخل"  كمقاومة, لان واقع الاحتلال يحتم على الشعب أن يستنفر مناعاته الداخلية ويظهرها بشكل يجعل استقرار المحتل على أرضه  أمرا صعبا ويجبره على التقهقر والانسحاب,  وهو حال تتفق عليها كل الشرائع والأعراف.

 وفي هذا المجال نستطيع القول بان ما تتجاهله أو ترغب بتجاهله أطراف كثيرة في المنطقة وهي حقيقة أن الشعب العراقي لازال يلعق جراحه التي ورثها  من الحكم السابق, وان هذا الشعب يتطلع إلى بناء مستقبله وهو يحتضن قياداته وأحزابه للمرة الأولى في تاريخه الحديث, وتلك مكتسبات لا يستطيع القفز عليها في الفترة الحالية ويقامر في أعمال قد تعرض مستقبله وإنجازاته إلى التعثر.

 يضاف إلى ذلك فان مفهوم السيادة  يعتبر نسبيا في المعايير العراقية البحتة التي فرضها النظام السابق, حيث عهد العراقيون أن يروا مفتشي  الهيئات الدولية المختلفة  ينتهكون حرمة بلدهم ويغتصبون  البكارة الأمنية لنظام صدام حسين  من خلال امتداد حملات التفتيش الى مواقع طالت حتى غرف نوم الطاغية, وما رافق ذلك من انتهاكات متواصلة للأجواء العراقية من قبل طيران التحالف و أخيرا دعوة النظام علنا لوكالة المخابرات الأميركية للقدوم للعراق والمشاركة بحملات التفتيش ومن هنا يمكننا القول واقعيا بان  ما يكتسبه العراقيون من منجزات على طريق الديمقراطية وإنشاء العراق الجديد مع واقع الاحتلال المتأرجح والمائل إلى الانسحاب وتسليم السيادة للعراقيين هو اكثر بكثير مما كان لديهم إبان حكم صدام حسين من قتل وتشريد وانتهاكات متواصلة للسيادة الوطنية ومستقبل قاتم مجهول. 

ولكن  ذلك لا يلغي تبني مفهوم المقاومة الذكية السلمية التي تستثمر اخفاقات المحتل وتحولها إلى أداة ضغط لتحقيق الاستقلال الوطني بالتوازي مع عملية البناء الديمقراطي للبلد, وهذا يشكل المحور العام لاهتمام القسم الأكبر من  القوى السياسية العراقية.

 إن استقرار العراق وخروجه من زوبعة التناقضات التي خلقها الوضع السابق سيعطي للمنطقة العربية والعالم الإسلامي زخما جديدا بالنضر لما يحتويه العراق من طاقات بشرية ومادية ضخمة وسيسهم في تعزيز عملية التحديث التي بدأت ملامحها بالظهور في الواقع العربي الأمر الذي يلقي على عاتق دول المنطقة مسؤولية المساهمة في إزالة ثقافة التناقضات التي زرعها النظام السابق وبناء العراق الجديد المتفاعل إيجابيا مع بيئتيه العربية والإسلامية والعالم الخارجي.

 إن خروج العراق السريع من الأزمة الحالية ذلك مرهون في نجاح مجلس الحكم في إدارة المرحلة الانتقالية الأمر الذي يحتم عليه الانفتاح على الواقع الإقليمي وطي صفحات الماضي وكذلك استثمار الطاقات العراقية المتواجدة على الساحات الدولية من لمد الجسور مع المجتمعات المدنية لتلك الدول وتكوين عناصر ضغط على الإدارة الأميركية لتسليم السيادة الوطنية وربط التجربة الديمقراطية لشعبنا العراقي بالتجارب الديمقراطية المتطورة وتوفير الضمانات الدولية والمناعات لعدم تكرار الظاهرة الديكتاتورية في العراق الحديث.

 

 أرسل ملاحظاتك حول الموضوع