رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

السيادة والقوة الأجنبية

 

خالد القشطيني

 

الفكرة السائدة بين القوميين والوطنيين في العالم الثالث هي ان وجود قوات اجنبية في البلاد يلغي السيادة والحرية. هذه فكرة ورثناها من العهد الاستعماري، ولكنها في الواقع فقدت مصداقيتها واهميتها منذ سنوات عديدة. اولا ان وجود قواعد عسكرية اجنبية في البلاد لم يعد يستهدف اخضاع الشعب وانما يرتبط بالاستراتيجية العالمية. فالقاعدة البريطانية في السويس لم تتعلق بالشعب المصري وانما بضمان سلامة الطريق للهند. معظم هذه القواعد، بما فيها القاعدة البحرية في عدن كانت ترتبط بالطرق التجارية البحرية ومحاربة القرصنة وليس لاخضاع شعب المنطقة. وفي احيان أخرى، كان الغرض منها ردع العدوان من الدول الأخرى، وهو ما يعني في الواقع دعم استقلال البلاد وليس النيل منه. حدث ذلك على نطاق واسع في ايام الحرب الباردة لردع الاتحاد السوفيتي. وبصورة عامة، اقيمت هذه القواعد بالاتفاق مع حكومات المنطقة وليس بالفتح والاكراه. هكذا اقيمت القواعد البريطانية في منطقة الخليج والقواعد الامريكية في كل مكان.

هناك الآن قواعد امريكية في بريطانيا وتركيا وقوات بريطانية وامريكية في المانيا دون ان تصبح دولا محتلة أو تفقد سيادتها بسبب ذلك. والقوات الامريكية في كوريا الجنوبية هي الضمان الاساسي لبقائها دولة مستقلة. وقد وجدت سائر الدول التي لا تعاني من عقدة السيادة وأوهام العزة والكرامة التي نعاني نحن منها، ان وجود هذه القوات الاجنبية يدر بكثير من الخير الاقتصادي والتنموي عليها.

وكما قلت، وجدت هذه القوات الاجنبية على الاكثر لاغراض لا تتعلق بالدولة المضيفة بالذات. ولهذا فقلما استعملت للتأثير على الحكومة الوطنية أو التدخل في سياستها. المرة الوحيدة التي استعملت فيها بريطانيا قواتها للتأثير على سياسة الحكومة المصرية كانت اثناء الحرب العالمية الثانية عندما فرضت على الملك فاروق بالقوة اسناد الوزارة للنحاس. وكان ذلك لنيل رضى الشعب المصري وتعيين رئيس وزراء له شعبيته. لم تستعمل بريطانيا قواتها قط لقمع الثورة في مصر أو العراق أو ليبيا أو للتدخل بما جرى في قبرص المستقلة.

تعطينا امريكا اللاتينية مثالا انصع، فالولايات المتحدة سيطرت على سياسات دولها رغم عدم وجود أي قواعد امريكية فيها. ولكنها في الدولة التي تتمتع فيها بقاعدة عسكرية كبيرة (كوبا) لم تستطع ان تسيطر على سياستها. ولا تجرأت على استعمال قواتها فيها لاسقاط نظامها المعادي لها، حتى ولا في ازمة الصواريخ أو في غزوة خليج الخنازير. وعلى خلاف ذلك استطاعت ان تسقط حكومة اللندي في شيلي وحكومة مصدق في ايران رغم عدم وجود أي قوات امريكية هناك.

لم يعد الرأي العام العالمي أو منظمة الأمم المتحدة تسمح لدولة باستعمال قاعدتها العسكرية في دولة أخرى او للتدخل في شؤونها أو إسقاط حكومتها. الحقيقة ان وجود قاعدة امريكية في بلد صديق لامريكا لا يعني ان واشنطن فرضت تلك الصداقة بفضل قوتها في القاعدة وانما العكس فحصلت على القاعدة بفضل صداقة ذلك البلد لها.

سيادة البلد وحرية شعبه وصلاح حكومته لا تتوقف في ايامنا هذه على وجود أو عدم وجود قوات اجنبية في البلاد وانما على مستوى نهوضه ووعيه واخلاص حكامه وكفاءتهم. البلد المتخلف والحكومة الطائشة الجاهلة سرعان ما يحولانه الى لقمة سائغة لكل الطامعين.

والآن هذه مقالة أخرى بيد المثقفين العرب لاتهامي بالعمالة والخيانة ومعاداة العروبة.

 

 أرسل ملاحظاتك حول الموضوع